الشوكاني
499
فتح القدير
الضمير في قائلها يرجع إلى الله : أي لا خلف في خبره ، وقد أخبرنا بأنه لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها ( ومن ورائهم برزخ ) أي من أمامهم وبين أيديهم : والبرزخ هو الحاجز بين الشيئين . قاله الجوهري . واختلف في معنى الآية ، فقال الضحاك ومجاهد وابن زيد : حاجز بين الموت والبعث . وقال الكلبي : هو الأجل ما بين النفختين ، وبينهما أربعون سنة . وقال السدى : هو الأجل ، و ( إلى يوم يبعثون ) هو يوم القيامة ( فإذا نفخ في الصور ) قيل هذه هي النفخة الأولى ، وقيل الثانية ، وهذا أولى ، وهي النفخة التي تقع بين البعث والنشور ، وقيل المعنى ، فإذا نفخ في الأجساد أرواحها ، على أن الصور جمع صورة ، لا القرن ويدل على هذا قراءة ابن عباس والحسن " الصور " بفتح الواو مع ضم الصاد جمع صورة . وقرأ أبو رزين بفتح الصاد والواو . وقرأ الباقون بضم الصاد وسكون الواو ، وهو القرن الذي ينفخ فيه ( فلا أنساب بينهم يومئذ ) أي لا يتفاخرون بالأنساب ويذكرونها لما هم فيه من الحيرة والدهشة ( ولا يتساءلون ) أي لا يسأل بعضهم بعضا ، فإن لهم إذ ذاك شغلا شاغلا ، ومنه قوله تعالى " يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه " ، وقوله " ولا يسأل حميم حميما " ، ولا ينافي هذا ما في الآية الأخرى من قوله " وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون " فإن ذلك محمول على اختلاف المواقف يوم القيامة ، فالإثبات باعتبار بعضها ، والنفي باعتبار بعض آخر كما قررناه في نظائر هذا ، مما أثبت تارة ونفي أخرى ( فمن ثقلت موازينه ) أي موزوناته من أعماله الصالحة ( فأولئك هم المفلحون ) أي الفائزون بمطالبهم المحبوبة ، الناجون من الأمور التي يخافونها ( ومن خفت موازينه ) وهى أعماله الصالحة ( فأولئك الذين خسروا أنفسهم ) أي ضيعوها وتركوا ما ينفعها ( في جهنم خالدون ) هذا بدل من صلة الموصول ، أو خبر ثان لاسم الإشارة ، وقد تقدم الكلام على هذه الآية مستوفى فلا نعيده ، وجملة ( تلفح وجوههم النار ) مستأنفة ، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال ، أو تكون خبرا آخر لأولئك ، واللفح الإحراق ، يقال لفحته النار ، إذا أحرقته ، ولفحته بالسيف : إذا ضربته ، وخص الوجوه لأنها أشرف الأعضاء ( وهم فيها كالحون ) هذه الجملة في محل نصب على الحال ، والكالح الذي قد تشمرت شفتاه وبدت أسنانه ، قاله الزجاج . ودهر كالح : أي شديد . قال أهل اللغة : الكلوح تكنيز في عبوس ، وجملة ( ألم تكن آياتي تتلى عليكم ) هي على إضمار القول : أي يقال لهم ذلك توبيخا وتقريعا : أي ألم تكن آياتي تتلى عليكم في الدنيا ( فكنتم بها تكذبون ) وجملة ( قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا ) مستأنفة جواب سؤال مقدر : أي غلبت علينا لذاتنا وشهواتنا ، فسمى ذلك شقوة ، لأنه يؤول إلى الشقاء . قرأ أهل المدينة وأبو عمرو وعاصم " شقوتنا " وقرأ الباقون " شقاوتنا " وهذه القراءة مروية عن ابن مسعود والحسن ( وكنا قوما ضالين ) أي بسبب ذلك فإنهم ضلوا عن الحق بتلك الشقوة . ثم طلبوا ما لا يجابون إليه فقالوا ( ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون ) أي فإن عدنا إلى ما كنا عليه من الكفر وعدم الإيمان فإنا ظالمون لأنفسنا بالعود إلى ذلك ، فأجاب الله عليهم بقوله ( قال اخسئوا فيها ولا تكلمون ) أي اسكنوا في جهنم . قال المبرد : الخسء إبعاد بمكروه وقال الزجاج : تباعدوا تباعد سخط وأبعدوا بعد الكلب . فالمعنى على هذا : أبعدوا في جهنم ، كما يقال للكلب اخسأ : أي أبعد ، خسأت الكلب خسأ طردته ، ولا تكلمون في إخراجكم من النار ورجوعكم إلى الدنيا ، أو في رفع العذاب عنكم ، وقيل المعنى : لا تكلمون رأسا . ثم علل ذلك بقوله ( إنه كان فريق من عبادي يقولون ) وهم المؤمنون ، وقيل الصحابة ، يقولون ( ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين ) قرأ الجمهور " إنه كان فريق " بكسر إن استئنافا تعليليا " وقرأ أبي بفتحها ( فاتخذتموهم سخريا ) قرأ نافع وحمزة والكسائي بضم السين . وقرأ